الوادي يلفظ أنفاسه الأخيرة

 أهلا وسهلاً بكم مع الباحث الجغرافي والرحالة حمد العسكر في هذه الرحلة

أخي القارئ هذه الرحلة عبارة عن عرض لتأثير الإنسان على البيئة وتدهور الغطاء النباتي والحياة الطبيعية في موقعين أحدهما قديم والآخر حديث ...

       في هذه الرحلة سنرى سد وادي جيزان الذي وعد بأنه سيجعل من جازان سلة للغذاء .... ثم سنرى سد وادي بيش الذي يقام على أعظم الأودية جريانا في المملكة ، وما هي آثار ذلك السد العظيم على الحياة النباتية والحيوانية وعلى الزراعة وأهل القرى المجاورة .. وما هي الجوانب الإيجابية والسلبية لكل من السدين.

 سد وادي جازان

يقع سد وادي جازان إلى الشمال الشرقي من مدينة أبو عريش ... عند تقاطع دائرة عرض  N 17.02.55 بخط طول E042.57.27  وقد أقيم هذا السد لحفظ مياه الأمطار والاستفادة منها في مشاريع زراعية عملاقة ... افتتح السد عام 1391هـ ، ويبلغ طوله 316م وارتفاعه 41.60م وعرضه عند القاعدة 40.4م وعند القمة 15.3 متراً ، وتبلغ سعته التخزينية حوالي 71 مليون متر مكعب ، وأطول قنواته حوالي 51 كلم.


            سد وادي جازان يعتبر أكبر سدود المملكة وأكثرها خزنا للمياه إلى أن تم إنشاء السد العملاق سد وادي بيش ... ولا شك أن لإقامة هذه السدود فوائد كثيرة كان من أهمها القضاء على الفيضانات التي تسببها الأمطار الموسمية على المنطقة ... وإقامة المشاريع الزراعية التي كان يفترض أن تصل بالإنتاج إلى الاكتفاء الذاتي من الخضار واللحوم والأعلاف .

ولكن ما حصل من إنجاز عظيم لسد وادي جازان كان فقط على صعيد دون آخر .

  إيجابيات السد

- القضاء على السيول التي تسبب الفيضانات

- خزن كميات كبيرة من المياه خلف السد

- خزن بعض المياه في الطبقات السطحية

  سلبيات السد

- القضاء على الغطاء النباتي والحياة الفطرية في مجرى الوادي الذي توقفت عنه المياه

- تكون بحيرة صناعية خلفه أصبحت مرتعاً للأمراض وتكاثر البعوض

- تكدس الرمال في مجرى الوادي الذي انقطعت عنه المياه الجارية

- فقدان الأراضي الزراعية لخصوبتها بسبب عدم تجدد التربة

- ظهور ظاهرة زحف الرمال وانتشارها إلى نطاقات واسعة

- موت الكثير من المزارع الفردية التي كانت تعتمد على مياه الوادي

- تناقص المياه السطحية التي كان يغذيها الجريان في منطقة حوض الوادي

صورة لمجرى الوادي بعد إقامة السد ونلاحظ جفاف الأرض وقلة الغطاء النباتي وانتشار الرمال

 

  في هذه الرحلة سأصطحبكم في جولة مكانية إلى السدين من خلالها سننظر إلى حقائق واقعية كان يفترض أن لا تحصل وأن لا تتكرر في مكان آخر ... (( كانت زيارتي لسد وادي جازان قبل حوالي 9 أشهر ... وقد صدمت كثيراً بما رأيت ... كنا نرى ونحن صغاراً صوراً لذلك السد الذي ارتسم في مخيلتنا أنه مكان سياحي جميل ... وأن حوله من المنظار الطبيعية الكثير ... وخلفه بحيرة جميلة .. وعلى ضفاف واديه مزارع مثمرة تستقي مياهها من قنواته المتعددة ... ولكن من خلال هذه الصور المتتالية سنكتشف شيءً آخر مغاير.

    كان بصحبتي الصديق خالد الحقباني عندما كنا في رحلة إلى منطقة جازان فخطر ببالنا أن نزور سد وادي جازان ... فقدمنا إليه من جهة الشرق من محافظة العارضة ... وعندما وصلناه وجدناه أشبه ما يكون بالمكان المهجور الذي أكل عليه الزمان وشرب ... لم نجد هناك مستقبلاً ولا حرس ... ولم نجد مكاناً للجلوس ولا للنزهة يستحق العناء بل وجدنا إهمالاً وأموراً أحزنت قلوبنا ...

هذه أول صورة واجهتنا عند البوابة ويبدوا عليها آثار التعب

المدخل إلى السد .. بوابة مفتوحة دون حراسة وقد بدا عليها الإهمال

استخدمنا منبه السيارة عدة مرات علنا نجد من نسأله أو نستأذنه فلم يخرج لنا أحد ... رأينا عاملا هنديا فقلنا له من هنا الدخول فلم يرد علينا إلا أنه أشار بيده ادخلوا وحرك لنا دفة الباب تكرماً منه دون أن نطلبه ذلك. فدخلنا وسرنا حتى بدا لنا السد.

صورة للسد ... وخلفه البحيرة الصناعية الضحلة التي ارتفع فيها منسوب الإرساب بدرجة كبيرة

 من مرافق السد ونرى الإهمال وآثاره على هذه المعدات التي أنفقت عليها الدولة الكثير من الأموال 

على البحيرة وجدنا هذا الطريق إلى ذلك القارب المعطل الذي وضع للحراسة على ما أعتقد

نزلنا إلى القارب علنا نأخذ فيه جولة في البحيرة ... إلا أنه كان عاطلاً عن العمل وخارجاً من الخدمة

عدنا أدراجنا وكلنا خيبة أمل لما رأيناه وشاهدناه من الإهمال الشديد لهذا المعلم العظيم الذي كلف الدولة ملايين الريالات

 

        وهنا عند خروجنا من منطقة السد أهمس في أذن كل مسئول بوزارة الزراعة والسياحة عن هذا المكان في جازان أين حبكم لوطنكم وأين حفظكم للأمانة التي أوكلت إليكم ... وأين محافظتكم على هذا المعلم الشهير ... والمخزون الوفير من المياه ... راقبوا الله عز وجل في أنفسكم وأخلصوا لوطنكم وأهليكم ... حفظ الله هذا البلد من كل سوء ...

       خرجنا بعد ذلك من السد ... وقبل أن نرى صوراً لآثاره على الحياة الطبيعية ... لفت نظري ما زاد الحزن والأسى في القلب ... فبالقرب من هذا السد بحوالي 3 كيلومترات نجو الجنوب يوجد مرمى نفايات محافظة أبو عريش ... مكان تشمئز منه النفس عند رأيته ... وشم رائحته الكريهة ... والعجيب أنه قريب من السد إلا درجة أنك ستشاهد آثار النفايات عند السد وحوله.

على الطريق من أبو عريش إلى العارضة وقرب السد بحوالي 3كم يوجد هذا الملوث البشري مرمى النفايات

ألا يوجد مكان آخر بعيدا عن الطريق وعن السد لهذا المكب ... المكان صورة عاكسة ....

           بلدية أبو عريش لماذا هذا التلوث البيئي ... أين المحافظة على البيئة ... وأين محاربة الأوبئة والحفاظ على صحة المواطنين ... لعلكم تطلعون على بعض برامج التلفاز العالمية لتتعرفوا على طرق جديدة يتم من خلالها معالجة النفايات بكلفة أرخص من نقلها إلى هنا ... أصح أيها الضمير النائم ... كيف تعكس هذا الصورة عن أرضك ومسقط رأسك ... أعتقد أنه ينبغي على الجامعات أن تنشأ قسماً خاصا يعنى بدراسة هذه الظاهرات وكيفية معالجتها ... وأتمنى أن تدرك البلدية أنها تعتبر في البلدان المتقدمة من أهم المؤسسات مكانة ومسؤولية وذلك لدورها العظيم الذي تؤديه ، ولقربها واحتكاكها اليومي بالسكان... لا أن تنظر إلى نفسها هذه النظرة التي تعكسها من خلال ما نراه ونسمعه.

بعد ذلك توجهنا  إلى الغرب من السد لنشاهد مجراه الذي تكدست به الرمال وافتقرت به التربة ويكفي أن يكون هذا هو أكبر الآثار السلبية للسد ... والذي كان يمكن أن يعالج عن طريق ... تمرير قنوات مياه من بحيرة السد في مجرى الوادي لتستمر الحياة الخضراء والمناظر الجميلة هناك.

صورة لمجرى الوادي بعد إقامة السد ... ونلاحظ كيف دفنته الرمال ... ولم يبقى من المزارع سوى القليل تعتمد على الآبار السطحية

لم يبقى أثر لمجرى الوادي فالرمال تنافس الطريق في الارتفاع ... ولولا هذا الكبرى لما علم أنه كان هنا مجرى وادي

       هنا انتهينا من زيارتنا إلى سد وادي جازان .... ورأينا ما كان فيه من إيجابيات وسلبيات ... والحقيقة كان الأمر بيد الإنسان فقد كان قادراً على أن يجعل السد يؤدي دوره الذي أقيم من أجله ويحافظ على الغطاء النباتي والحياة الطبيعية ... من خلال عدة عوامل كان من أهمها أن يستمر جريان المياه في مجرى الوادي عن طريق قنوات معينة تسمح للماء أن ينساب من البحيرة ليخلق جداول تغذي المزارع ويستفيد منها النبات والحيوان ... وتخلق مناظر جميلة تحي السياحة في المنطقة ... ومن خلال المحافظة على السد وإزالة الترسبات من قاع البحيرة وإقامة مرافق حيوية للسياح حوله وزراعة الأشجار و المسطحات الخضراء لا سيما مع وجود وفرة المياه.  ولعل السبب الذي خيب الآمال ولم يجلب الاستثمار الزراعي كما ينبغي لتتكون سلة الغذاء كما وعد بها هو الإخفاق في تلك الجوانب الحيوية ... فقد ركز على البناء وأهمل ما بعد البناء وترك ما ترتب على ذلك من زحف الرمال وافتقار الأرض دون علاج.

     ولكوني أجريت العديد من الدراسات الميدانية للزراعة في حوض وادي بيش ... ولخشيتي أن ينتقل ذلك الخطأ إلى وادي بيش عرضت ما سبق وسأعرض الآن وادي بيش وكيف الحياة الطبيعية عليه قبل إقامة السد الجديد ومن ثم سنزور السد وسنرى مشروع السد ورحلة في دهاليزه ... وبداية لتكرار الأخطاء..

حوض وادي بيش والسد العظيم

أولاً سأحاول أن أعرض لكم صوراً لحوض الوادي لكي نتعرف على الحياة الطبيعية والغطاء النباتي وجمال المنظر قبل إقامة السد وحجز المياه

صورة جوية لحوض وادي بيش في سهل تهامة ... المنطقة التي تقع بعد السد ونشاهد الغطاء النباتي الأخضر بوضوح

صور جوية لجزء من الوادي ونلاحظ انتشار المزارع والغطاء النباتي في حوض الوادي

 

صور من حوض وادي بيش قبل إقامة السد والتي تتحول الآن بعد إقامة السد إلى مناطق رملية ومناطق خالية من الطبيعة الخلابة

 

السيول التي تتكرر على هذا الوادي عملت على تجدد التربة مما أكسب الأرض الخصوبة العالية والصلاحية للزراعة

 

وقفت مراراً وتكراراً في نواحي هذا الوادي .. ودمعت عيناي عندما رأيت السد يحجز المياه خلفه فتوقفت تلك الجداول وبدأت الحلة الخضراء بالتلاشي

 

إحدى المزارع المنتشرة حول حوض الوادي

منظر آخر من جوانب الوادي

تجلب السيول كميات كبيرة من الطمي الذي يجدد التربة ويزيد خصوبتها على مدار السنة

       بعد أن عرضنا الصور السابقة التي تعكس لنا جمال هذا المكان وغناه بالحياة الطبيعية ... سننتقل الآن إلى السد لنرى جوانب من ذلك الإنجاز العظيم الذي سيحول تلك الأراضي الخصبة إلى أراضي قاحلة ومناطق رملية ... ما لم تفتح منه قنوات منظمة لجريان المياه ... ومن الأشياء التي أعجبتني ما رأيته على الطريق إلى السد حيث توجد محطة تحلية للمياه كبيرة تحت الإنشاء ... وقد وضعت بعض الصهاريج على الوادي لنقل المياه إلى أبها لتغطية العجز الذي حصل في الصيف الماضي.

لننتقل إلى السد العظيم ونلقي عليه نظرة عن كثب ونرى الجهود التي بذلت في إنشائه وما صنعته يد الإنسان في تغيير البيئة الطبيعية .

صورة جوية توضح موقع إنشاء السد ... حيث الدائرة الحمراء

      من الملاحظ أن السد أقيم خارج منطقة السهل عند عنق الزجاجة حيث يلتقي به آخر روافده الكبيرة وادي الحياة ليسهل بنائه وتقل كلفته ... ولضخامة هذا الوادي الذي يرفده أكثر من 90 رافداً بعضها يأتي من اليمن ... ومن وجهة نظري أن موقع إنشائه الذي يعتبر في المنطقة الجبلية سيساعد على موت أكبر عدد من الحياة الطبيعية للنبات والحيوان والمزارع ...  وستكون كميات المياه التي تختزن في جوف الأرض أقل بسبب صلابة المنطقة وتكدس أطنان الطمي في قاع البحيرة خلفه.

صور للسد حيث أقيم في الجهات العليا من الوادي قبل وصوله لأرض السهل

صورة للافتة المشروع والتي تبين السعة التخزينية للسد والتي بلغت 193 مليون م3 وارتفاع السد عن الأساسات والذي بلغ 106م والطول عند القمة والذي بلغ 340م وكمية الخرسانة المستهلكة والتي بلغت 710910 م3

     عندما وصلنا إلى السد وجدنا أنه في مراحله الأخيرة من البناء وقد بدأ بخزن الماء من ورائه ... فرغبنا في أن نتجول فيه  ... فتوجهنا إليه ... وأوقفنا سيارتنا قربه ولم نرى أمامنا سوى جبل خراساني شاهق وعليه بعض السلالم التي يستخدمها العمال ... فصعدناها والتقينا بأحد العمال وصحبنا في رحلة داخل دهاليز السد التي أمضينا فيها قرابة 3 ساعات ونحن نسير بداخله .. إلى أن وصلنا إلى قمته ورأينا الجهة الأخرى التي بدأت تتكون فيها البحيرة ... والترسبات الطينية التي ستدفن جزء كبيراً من قاع تلك البحيرة خلال السنوات القادمة.

نقف أمام السد وننظر إلى الأعلى محاولين صعوده لنرى الطرف الأخر ... وقد استخدمنا السلالم الخشبية

صورة جانبية للسد ونحن في طريق الصعود ... المسافة بين الجانبين 340م

صورة للأسفل حيث أوقفنا السيارة ... من منتصف الطريق إلى القمة

قبل الوصول إلى الأعلى ... وجدنا هذه الفتحات الكبيرة التي دخلنا عبراها إلى جوف السد لنكتشف أنه دهاليز وطرق من الداخل

صور بعد دخولنا ونشاهد العامل - قنييش - الذي صحبنا في رحلة الدهاليز الطويلة في الداخل

طريق ينزل إلى الأسفل عبر مئات الدرجات الخراسانية

في الداخل نفذ بنا أحد الأنفاق إلى هؤلاء الذين يعملون في منتصف السد

  مئات الأمتار من الدهاليز والطرق تقود إلى أسفل السد وأخرى إلى الأعلى وأخرى تتشعب إلى اليمين واليسار

 لتشكل شبكة ضخمة من الأنفاق تزيد أطوالها عن عدة كيلومترات في جوف السد ...

 والتي أعتقد أنها ستكون طرق ومسالك للصيانة وخاصة في حالة استخدام السد لتوليد الكهرباء

بقي القليل عن وصولنا إلى أعلى السد ولا يوجد طريق غير هذا في جهتنا

صور للبحيرة خلف السد بعد وصولنا إلى الأعلى ... ونشاهد بداية تكونها وتكون الطمي الذي سيدفن أجزاء كبيرة من البحيرة مستقبلاً

صورة من الأعلى توضح التقاء رافد وادي الحياة بوادي بيش حيث ستتشكل البحيرة وستمتد للوراء لعشرات الكيلومترات

صورة لمياه التصريف التي تجري بعد أقامة السد والتي ستتوقف كما أخبرنا قنييش  بعد الانتهاء من المشروع

              من خلال هذه الرحلة التي عرضت فيها سد وادي جازان وسد وادي بيش والتي رأينا فيها هذه المشاريع العملاقة ... نصل إلى نهاية الرحلة ونهاية المطاف وأتمنى من المهتمين على تلك المشاريع أن يراعوا الجوانب البيئية ... وأن لا يسمحوا بإتلاف البيئة ... فبقليل من الإجراءات يمكن إعادة الحياة إلى بطون الأودية التي حبست عنها المياه ... فمثلاً لو وضعت هناك آلية في السد تسمح بنفاذ كميات من المياه عبر قنوات يتم التحكم بها لكان ذلك نجاح عظيم لهذه السدود ففي الوقت الذي تم فيه القضاء على بعض مخاطر الأودية يمكن الاستفادة واستغلال مياه السدود في الزراعة الناجحة ... والتقليل من حجم تلك البحيرات التي تسبب الأمراض وتكون مرتعاً لتكاثر البعوض ... وأتمنى من وزارة الزراعة والجهات المعنية بالسدود أن يولوها قدرا كبيرا من الاهتمام والحرص وأن يجعلوا منها مكانا جاذبا للسياحة الراقية ... ومَعلماً سياحياً يساهم في تقدم الرقي في هذا الوطن من خلال جعله عاملاً فعالاً في زيادة الإنتاج الزراعي والحيواني ... فيقلل ذلك من اعتمادنا على الاستيراد من الخارج. وأن تسهم تلك المشاريع العملاقة في جمال الأرض لا أن تجعل منها خلاف ذلك كما سبق في سد وادي جازان.

    تقبلوا تحيات أخوكم الباحث الجغرافي والرحالة  حمد العسكر وإلى اللقاء

في رحلة قادمة