رحلة حرة خيبر ( جبل القدر - الأبيض - البيضاء ) وكهف أم جرسان

أهلا وسهلاً بكم مع الباحث الجغرافي والرحالة حمد العسكر في هذه الرحلة حرة خيبر

                 الحرة: هي الأرض البركانية السوداء … وهي اللابة باللسان العربي الفصيح … وقد انتقل هذا اللفظ “Lava” إلى الإنجليزية عن طريق الأسبانية … وحرة خيبر تعتبر أكبر هضبة بركانية في أرض الحجاز … حيث تغطي قرابة العشرين ألف كيلو متر مربع … بسمك يتراوح بين الخمسمائة والألف متر … تنتشر غالبية الفوهات البركانية الحديثة في حزام يمتد بطول ثمانين كيلاً موازياً لاتجاه البحر الأحمر … وبعرض 15 تقريباً.

           وقد بدأت هذه الرحلة إلى حرة خيبر في اليوم الرابع من ذو الحجة للعام 1428هـ بصحبة الزميل خالد الحقباني .. وقد استعنت في هذه الرحلة على الله ثم ببعض الإحداثيات التي حصلت عليها ممن زار تلك المنطقة ... وشجعني أكثر ما قرأته للزميل رسلان عن زيارته للحرة ومروره بالكهف العظيم كهف أم جرسان ... وللعلم هذا الكهف الذي عثر عليه أحد الزملاء لم تكن هيئة المساحة الجيولوجية تعلم عنه وكان له السبق عندما أخبرهم به ، وأبدو استغرابهم لوجوده . إلا أنهم أعلنوا اكتشافهم له متجاهلين المصدر الذي أخبرهم به وهذا بادرة لا تشكر عليها هيئة المساحة.

     وفي هذا الرحلة سأبين لكم أبرز معالم الحرة وزيارة الكهف وتصحيح بعض القياسات التي تم نشرها حوله.  و أبدء الحديث في محطات الرحلة التالية :

     المحطة الأولى

     دخول الحرة  :

          يمكن دخول الحرة من عدة أماكن إلا أن أفضلها وأقربها للمكان المنشود هو الجهة الشرقية مرورا ببدع ابن خلف ولأني كنت قادما من مدينة الدلم الرياض سلكت طريق القصيم المدينة السريع وقبل وصول الحناكية اتجهت شمالاً مع مفرق الشقران وسلكت طريق حائل  شمالاً قرابة 80كم حتى موازاة قرية بدع بن خلف.

 إحداثيات قرية بدع بن خلف

N25.42.630  /  E040.22.530
 

الخط الأحمر يمثل الطريق الترابي الذي يتجه نحو الحرة
منظر للحرة من السماء

      مررت قرية بدع بن خلف واتجهت غرباً قاصداً وسط الحرة وبالتحديد جبل القدر البركانية الذي يعتبر من أهم معالم الحرة ... وسكان الحرة هم من قبيلة بني رشيد المشهورة .. والذي تعرف الحرة عند البعض باسمهم حرة بني رشيد.

     وفي الحرة توجد العديد من فوهات البراكين أشهرها جبل القدر الذي يعتقد أنه أخر ما ثار منها في القرن السابع الهجري كما ورد في بعض كتب التاريخ ، وهناك جبل البيضاء والأبيض والقدير والعثمور والعاقر.

 

لاحظ فوهات البراكين والمنطقة السوداء هي الحمم المنصهرة "الابة"
صورة أقرب توضح فوهات البراكين المشهورة

     المحطة الثانية

     جبل القدر :   N25.43.190  /  E039.56.600

        جبل القدر البركاني أعلى جبال الحرة وأحدثها من حيث أخر ثوران له ... وأكثرها لابة منتشرة على سطح الحرة ... يبلغ ارتفاعه عندما صعدناه حوالي 2025م عن سطح البحر ... وبداخله فوهة عميقة وخارجه تمتد الحمم الخامدة من جميع الاتجاهات، وتصل في أقصى امتداد لها من جهة الجنوب الشرقي حوالي 8كم وقد تزيد بسبب تعرجها.

      وأقرب نقطة إلى الجبل تصلها السيارة تبتعد عنه حوالي 3.5كم تقريباً من الجهة الشرقية. وقد بدأنا رحلة الصعود إلى القمة منها سيراً على الأقدام .. ولفت انتباهي كثرة الكهوف الصغيرة التي هي في حقيقتها مجاري للحم تحت اللابه والسبب في تكونها أنه عندما تجمدت الطبقة الخارجية للحمم تشكلت هذه الطرق الداخلية للحمم السائلة التي تغذي الأطراف . وبقيت مجوفة بعد توقف جريانها وخمود البركان. ومن الأشياء الملفتة للنظر خفت وزن كثير من الصخور البركانية التي تعرف بحجر الخفاف.

الجبل في الخلف هو جبل القدر قبل الاقتراب منه
أقرب نقطة إلى جبل القدر تصلها السيارة ، لاحظ الحمم بعد خمودها
أثناء صعودنا للقدر مررنا بهذه الكهوف التي كانت مجاري للحمم
صورة لأحد مجاري الحمم من الداخل
صورة لجزء من فوهة جبل القدر البركاني
صورة من أعلى قمة القدر توضح مجاري الحمم نحو الجنوب الشرقي
صخور متجمدة خفيفة الوزن "صخور الخفاف"

      مررنا بعد ذلك قبل أن نتجه جنوباً نحو البيضاء بجبل العثمور  N25.46.90    E039.56.680  والقديرN25.47.630   E039.56.000  شمال القدر حيث تكثر هناك التجاويف البركانية ... ثم عدنا نحو الجنوب إلى جبل مغاير في اللون وذو فوهة كبيرة جداً وهو جبل البيضاء الذي يشاهد من صورة القمر الصناعي بوضوح.

     المحطة الثالثة

    جبل البيضاء :  N25.39.660    E39.56.150

      يقع إلى الجنوب من جبل القدر جبل البيضاء وجبل الأبيض المتجاورين .. والبيضاء عبارة عن فوهة كبيرة يزيد قطرها عن 1350م  وارتفاعها عن سطح البحر يزيد بحوالي 1925م . وتكويناته رسوبية وليست صخرية خلافاً للجبال البركانية الأخرى. ويقع إلى الشرق منه جبل الأبيض الذي يزيد ارتفاعه عن 2000م.

صورة لجزء من جبل البيضاء
أثناء صعود البيضاء واجهتنا مشكل انزلاق التربة الهشة

   وقد صعدنا جبل البيضاء بالسيارة من الجهة الجنوبية الغربية بصعوبة بسبب تربته وصخوره المفتتة... ولم نتمكن من صعوده إلا بعد خفض هواء الإطارات، وعندما  سرنا على محيط الفوهة من الأعلى وهذه بعض الصور من أعلى جبل البيضاء.

الصورتين لفوهة جبل البيضاء لاحظ كبر حجمها
من أعلى البيضاء نشاهد إلى اليمين جبل الأبيض ودونه وإلى اليسار حمم القدر
نشاهد من أعلى جبل البيضاء نحو الجنوب جبل العاقر

       بعد ذلك اتجهنا جنوباً وهدفنا كهف أم جرسان العظيم ... وقبل الوصول إليه مررنا بالقرب من جبل العاقر وهذا المنسف الذي توجد به هذه الحجارة المصطفه بشكل متوازي وكأنها من صنع البشر.

    المحطة الثالثة

    كهف أم جرسان :    N25.35.30    E039.45.470

    يقع هذا الكهف إلى الجنوب الغربي من جبل البيضاء بحوالي 30كم  وهو ليس كهف في جبل ، بل حقيقته أنه في أرض مستوية السطح صلبة وهو عبارة عن مجرى مياه تحت سطح الأرض .. وبسبب انهيار السطح في ثلاث أمكان ظهر المجرى للعيان وصار المجرى عبارة عن 3 كهوف يبلغ مجموع أطوالها قرابة 1450م وهذا ما تبقى منه وإلا فإنه مستمر لا يعلم نهايته أحد ولكن بسبب دفن الترسبات التي تحملها المياه الجارية ردم ودفن بالطمي في الجزء الغربي منه حتى اصطك القاع بالسقف.

     أما عن أبعاده فعرضه يتراوح ما بين 10 إلى أكثر من 30 متر في الداخل ... وارتفاعه يتراوح متوسطه ما بين 12 - 15 م وأقرب نقطة يقترب فيها السقف إلى القاع ارتفاعها مترين تقريباً. وأجزائه الثلاثة أطولها الجزء الأوسط الذي يلتوي بزاوية 80 درجة  ليصل إلى أكثر من 900م والآخرين أقل طولاً منه.

   وقد وصلنا الكهف في الليل بعد قطع مسافة 30كم في أكثر من 3 ساعات في صخور الحرة الوعرة. وعندما وصلناه الساعة 10م اتفقت أنا وزميلي على أن دخول الكهف في الليل والنهار أمر واحد بسبب الظلام الحالك فكنا متحمسين ولم ننتظر الصباح وكنت قد جهزت 6 مصابيح إضاءة قوية ... وفعلاً دخلنا الكهف ليلاً وتهولنا مما رأيناه من اتساع في الداخل وأرض رملية وطينية وجو معتدل وعلو في سقفه وأدهشنا ما رأينا فيه من عظام الحيوانات .. سرنا في الجزء الغربي منه حتى وصلنا إلى نهايته وقد دفنه الطمي إلى أعلاه .. فعدنا ودخلنا الجزء الأوسط وخرجنا من الطرف الثاني ... عدنا بعد ذلك إلى السيارة وبحثنا عن مكان نبيت فيه وفي اليوم التالي عدنا وزرناه مرة أخرى وفعلاً لا يوجد داخل الكهف إلا ليل فقط.

 

مدخل الجزء الغربي من الكهف لاحظ حجم المدخل مقارنة بالسيارة أعلاه علماً أن جزء من المدخل مطمور تحت الركام المتساقط
مدخل الجزء الأوسط  مقابل للمدخل السابق 
صورتين لبداية دخول الجزء الشرقي من الكهف
الظلام شديد لا تستطيع رؤية يدك في الداخل
صورة الباحث المسافر داخل الكهف في أضيق جزء من الكهف

       أخذنا بعض القياسات والصور للكهف وخرجنا منه متجهين إلى مدينة خيبر. وفي الطريق مررنا بمكان يطلق عليه "جولة" أو جول وضعته الدولة وهو عبارة عن بئر ماء وحارس لسقيا الإبل والمارين وقبل أن نصل ذلك المكان لم نرى أحداً من البشر أو الكائنات الحية عدا الإبل  خلال 4 أيام قضينها في عزلة تامة عن العالم داخل هذه الحرة الجميلة.

صورة لبئر الماء والمدي

        بعد ذلك وصلنا إلى مدينة خيبر التاريخية .. وأثناء خروجنا منها متجهين إلى مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم مررنا بسد أثري قديم يطلق عليه اسم سد البنت واسترحنا عنده لساعة وأخذنا له بعض الصور.

صورة لسد البنت الأثري
النقطة الأخيرة في الرحلة قبل مغادرة السد استراحة قصيرة لتناول وجبة الغداء
صورة لشجرة الدوم الجميلة حول سد البنت
مع تحياتي أخوكم حمد العسكر

ونلتقي في رحلة أخرى إن شاء الله