رحلة وادي لجب الصدع الانكساري

     أهلا وسهلاً بكم مع الباحث الجغرافي والرحالة حمد العسكر في رحلة وادي لجب

          في الإجازة الصيفية للعام 1422هـ ، ضاق صدري من الروتين اليومي أكل وشرب ونوم .. فقلت لنفسي - حميدان الفراغ والضيق ماله علاج إلا السفر ومسكة الخط - .. حزمت أمتعتي ( عزبة معاميل وطبخ - كاميرات تصوير - جهاز GPS - كيس نوم - بندق ) وخطر في بالي أن أقوم بمغامرة عبر طريق لم أسلكه ولم أكن أتوقع وعورته والهدف استكشاف روافد وادي بيش العليا وعبور المنطقة المجهولة من جبال السروات.

     والمنطقة المجهولة كانت مجهولة قبل وصول الطريق المعبد إليها خلال الـ 4 سنوات الماضية، وأقصد بها المنطقة الجبلية الوعرة الواقعة بين سهل تهامة جيزان وظهران الجنوب في السراة .. ( من الريث مروراً بطور ال حسن حتى الفرشة في أقدام جبال الجوة ).

       خرجت من مدينة الدلم سالكاً طريق الجنوب وقبل وصول وادي الدواسر سلكت مخرج نجران رغبة في المرور بعاصمة كندة "الفاو" والأجزاء الغربية من بحر الرمال "الربع الخالي"..  سرت حتى حرف T ثم توجهت نحو شرورة مدينة العواصف الرملية وعدت بعدها إلى نجران حيث الأخدود وقبائل يام المشهورة.

       خرجت من نجران متجهاً إلى ظهران الجنوب ثم الحرجة قاصداً عقبة الجوة التي تصل بين أعالي القمم والفرشة في أقدام تلك القمم ، وهي عقبة عملاقة بدأت وزارة المواصلات العمل بها عام 1402هـ وأنهته عام 1417هـ بكلفة 1.7 مليار، وقد لفت نظري في تلك العقبة كثرة الأنفاق التي زادت عن 30 نفقاً والتي كان أكثرها أنفاقا للزينة، هذه العقبة من أقل العقبات كثافة في السير .. وفي الحقيقة  بنيت هذه العقبة لتربط مدن جازان بمدن ظهران الجنوب وتختصر مسافات كبيرة للقادم من جازان  إلى منطقة نجران وجنوب عسير تصل إلى 200كم ، ولكن لأمر ما تأخرت مشاريع تعبيد الطرق القادمة من سهول جازان وجبال بني مالك عبر سلاسل جبال الريث والحشر الوعرة.  لذلك نجد أن طريق الإسفلت في السابق قبل 6 سنوات كان فقط بعد نزوله من العقبة يصل إلى الفرشة ومفرق الربوعة ثم ينقطع ... من الجهة الشرقية .. ومن الجهة الغربية نجده قادم من المحلة مفرق على الطريق بين بيش وصبيا نحو الشرق إلى أن يصل الحقو ويزيد عنها نحو طريق الريث وينقطع.

      لكن خلال السنوات الـ 6 الماضية وبفضل من الله ثم السياسة الحكيمة لأمير جازان الأمير محمد بن ناصر بدأت مشاريع نهضة المواصلات تشق الطرق في هذه المنطقة الوعرة ... حيث تم إنشاء طريق يصل بين بني مالك والفرشة ويلتقي بآخر قادم من الحقو ماراً بالريث - محافظة رخية - والجبل الأسود ووادي لجب.

     لذلك كان وادي لجب قبل أقل من 5 سنوات لا يكاد يعرفه إلا النادر و النادر ممن هم قريبون منه.  ولكنه كان معروفاً عند بعض السياح الأجانب وهذا ما سنعرفه من خلال قصتي في دخولي لهذا الوادي لأول مرة.

صورة جوية للمنطقة التي كانت مجهولة آل حسن الحشر القهر لجب

       كان دخولي لهذا الوادي أول مرة في الليل والعجيب أني لم أكن أعرفه.  ولكن في صيف عام 1422هـ  كنت قادماً من محافظة الفرشة "تهامة قحطان" متجهاً نحو الغرب عبر طرق شديدة الوعورة.. وكانت سيارتي ددسن 97م عانت كثيراً حتى كادت أن تهلك.. والسبب كان في البداية حيث نزلت في أودية تعذر علي الرجوع مع طرق النزول ... الأمر الذي أجبرني على التقدم في طريق مجهول ... وبسبب تحفير السيارة ذات الدفع الخلفي ... لجئت إلى خطة حلت المشكلة حيث قمت بتعبئة 3 أكياس شعير بالرمل والتراب من بطون الأودية ووضعتها في صندوق السيارة ... حيث أن ثقل هذه الأكياس يزيد وزن السيارة في الخلف فيمنع دورنا عجلاتها في الفراغ  " تحفر " ويقل الوزن على المقدمة فيعطيها مرونة لتتمغط أكثر مع الوعورة.  وكانت هذه الرحلة آخر عهدي بسيارات الدفع الخلفي ودافع لي ذات لاقتناء الدفع الرباعي.

      نواصل الحديث ....  سرت مسافات في هذه المنطقة المتضرسة على شكل سلاسل متوازية من الجنوب إلى الشمال..  في إحدى العقبات الترابية الوعرة ... اشتد الطلوع على السيارة وظهرت رائحة الكلتش وانقطع العزم تماماً. وكان الليل قد حل ولكن لحسن الحظ ... كنت قد أركبت معي شابين كانا يسيران على الطريق تعجبوا مني ومن سيارتي وكانوا مصرين على أني لن أخرج من هذه الأودية والجبال.

    وبعد أن علقنا في العقبة .. واصل هذا الشابان سيرهما على الأقدام وطلبا مني أن أبقى وستأتي المساعدة. وبالفعل خلال ساعة زمن أتوا بسيارة زرقاء شاص قديمة وقاموا بسحبي نحو الأعلى حتى عبرت السلسلة.. واستمروا معي حتى قريتهما .. وأصروا على ضيافتي وكان الوقت متأخراً فوافقت على شرب الشاي معهم في قريتهم المتواضعة قرب بقالة صغيرة يدوي جوارها صوت مولد الكهرباء. كان هناك مكان يطلقون عليه اسم قهوة يسمرون فيه ، وكان البعض منهم يتناول أوراق القات، مع الشاي أو البيبسي لأنها مرة الطعم. ( والقات من الأشجار التي تعيش في الجبال جنوب غرب المملكة وفي اليمن وهي شجرة معمرة .... وقد رأيت مزارعها في جبل فيفا وجبال خاشر والعزة وطلان ببني مالك وفي جبل القهر والجبل الأسود وفي اليمن - وهي من الناحية الصحية شجرة مفترة وليست مخدرة. تعمل على تلف الأسنان واللثة والمال ، وتعطي الجسم طاقة وهمية خلال فترة التخزين ، يتبعها بعد ذلك حالة من الخمول والجهد والتعب غالباً ما يقضيه المخزن في النوم وترك الصلاة ، وهي ليست مخدرة ولا مهلوسة فمتعاطيها يكون بكامل قواه العقلية في جميع أحواله - وشجرة القات أنواع منها الجيد والرديء كما يصنفها أهلها ومن أنواعها العيباني والحارثي وغيره ، والكثير من أشجار القات تأتي من اليمن عن طريق المهربين "المجهولين"  )  ولي بحث دراسة ميدانية أجريتها خلال 20 شهراً تعالج مشكلة التهريب من اليمن بعنوان [ القات والأسلحة عبر الحدود السعودية اليمنية دراسة جغرافية واقعية تعالج مشكلة التهريب بين قبيلتي آل عياش اليمنية وبني مالك السعودية ] وهي تطوير لبحث بدأته عام 1419هـ في جغرافية الجريمة، ومن خلاله اكتسبت الكثير من المعلومات وأجريت الكثير من المقابلات ووضعت بعض المقترحات والحلول لعلاج المشكلة  - خرجنا عن الموضوع -

     نعود لموضوعنا ...  جلست معهم لشرب الشاي وقدموا لي شيء من القات ولكني اعتذرت عن أكله وقلت بأني لا آكل شجرة لا تنبت بأرضي ...  وبعد نصف ساعة عزمت على مواصلة السير .... ودعتهم وهممت بالمواصلة فإذا بأحدهم أراد أن يسري لمنزله ومنزله على طريقي فركب معي ... وتبادلنا الحديث ... وعندما وصل منزله طلب مني أن أكون ضيفاً وأنام عنده ... لكني اعتذرت منه وسألته ما هو أجمل أو أغرب منظر في هذه المنطقة؟ فقال لي يوجد وادي يسمونه لجب ... يأتيه الخواجات من الخارج. لكنه وعر وخطير وقت الأمطار والطريق إليه متعب رغم قربه من طريقك الذي تسلكه... لفت انتهي - يأتون إليه الخواجات - فأدركت ضرورة الإطلاع عليه فطلبت منه أن يصف لي الطريق ففعل.

        سرت بمفردي على الوصف وما هي إلا نصف ساعة حتى انحرفت عن خط السير نحو مدخل الوادي ... هبطت في وادي للمياه فقلت هذا وادي طبيعي لا غرابة فيه سأبحث عن مكان للنوم وفي الصباح قد نرى جماله.   وفي أثناء دوراني بالسيارة داخل الوادي أبحث عن مكان مناسب للنوم فجأةً ظهر لي انكسار في الجبل جانب الوادي ، انكسار ضيق ... دفعني الفضول لدخوله ... فدخلته .. سرت فيه واستمر الكسر للداخل ... سرت أكثر من 2 كم وعن يمني ويساري حافتان من الصخر والطريق ضيق يتراوح عرضه ما بين 3 - 6 أمتار.. ويتسع تدريجياً كلما دخلت... الماء يمشي جداول أسفل السيارة والنبات أعلى يتدلى من الحافتان نحو الأسفل.

     حينها أدركت أنه الوادي المنشود... دخلته وكانت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل... سرت فيه ومررت بثلاث سيارات ذات دفع رباعي تقف إلى طرف مرتفع  نحو الحافة اليسرى - الآن مكانها المندي الموجد حالياً والعامل فيه الإرتري إبراهيم وأصحابه - وكان مظهر السيارات يوحي بأنها للخواجات الذين ذكرهم الشاب مداوي الذي أوصلته منزله. وصلت آخر ما تستطيع السيارة أن تصله وهو بعد تلك النقطة بـ 300م ثم عدت وقررت النوم قرب الخواجات..

     نزلت من السيارة وتوجهت إليهم وإذا بهم 3 أسر أسرة أسترالية وأسرتين أمريكيين ... كل أسرة زوج وزوجة وطفل أو طفلين.  سببت لهم قلقاً ورعباً كما بدا على مظهرهم... حيث قاموا بإضاءة مصابيح يدوية نحوي وعلى وجهي ويتكلمون بلهجتهم الإنجليزية "هلو هلو" ويظهرون الود والطيب. حاولت الحديث معهم بانجليزيتي المتواضعة .. لأطمئنهم وأخبرتهم أني سائح مثلهم وصديق ناموا لا تخافوا يا حلوين ....   لكن حال لسانهم كان يقول: - صديق ومسالم مهضومة بس الساعة وحدة منتصف الليل !!! - وش عندك -...

    أخرجت جواعد من السيارة وفراش النوم وفرشتها في الصندوق بالقرب منهم - الإنسان اجتماعي بطبعه -  وشرعت في - التمغط - أبغي النوم .. ولكن ما كادت عيني أن تغفو حتى سمعت صوتاً مزعجاً يدوي في الجبال وكأنها وحوش ... وإذا بها قرود تتجاوب في الأعلى والصدى يضخم الصوت... فارتكبت حماقة لم أرتكبها من قبل ...

   دار في خلدي أن هذه القرود لن تسكت حتى أخيفها ... فأخرجت البندقة ولسوء الحظ مع التعب والإرهاق نسيت أمر الخواجات ... رفعتها للأعلى ورميت رمية واحدة وأنا مستلقي على ظهري في الصندوق ... وكانت الكارثة كارثتين ... الأولى الصوت كان متضاعفاً جداً فزعت منه أنا... لأننا بين حافتين ضيقتين وعلو شاهق.. والكارثة الثانية الرعب والهلع الذي دب في نفوس هؤلاء الذين كدرت عليهم منامهم .... ما كان منهم إلا أن أشعلوا كل مصابيحهم نحوي وأخذ بعضهم يخاصم بعض ويخاصمونني بصوت مرتفع بلغتهم ويسبونني على ما أعتقد ... ولكن لم أفهم ما يقولون ... وأخذت وأنا مستلقي أطمئنهم الوضع طبيعي وأنا آسف كان الصوت من أجل القرود ... أخذت أدمم ببعض الكلمات الإنجليزية من كل بحر كلمة ... لعلهم يهدئون ... وعلمت أن لديهم أولاد صغار لما سمعت صوت بكائهم..

      خجلت من الموقف فقررت أن أغطي رأسي وأشعرهم بأني سأنام لعلهم يطفئون المصابيح .... وفعلاً ما هي إلا برهة فأطفئوا مصابيحهم وخمد المكان بسكون عجيب لم يكدره إلا صوت صرير حشرات الجندب.

     نمت وفي الصباح قمت لصلاة الفجر ... ولم أجد أصحابي في خيامهم البلاستيكية ... وسياراتهم في مكانها لم تتحرك.. سرت نحو باطن الوادي فوجدتهم يتحممون في الصباح ... وأعتقد والله أعلم أنهم لم يناموا حتى الصباح...     قابلتهم واعتذرت منهم بلطف وأخذت أتبادل الحديث بصعوبة معهم وكانوا 3 رجال و3 نساء و4 أطفال أعمارهم مابين 5 - 10 وكان لباسهم غير لائق بالمظهر العام ...  خرجت منهم بـ :

     ( أنهم قدموا للسياحة من بلدين أستراليا والولايات ، وأنهم خصوا هذا الوادي بالمجيء لأنه لا يوجد حسب قولهم في العالم إلا أربعة أودية مثل هذا الوادي في تركيبة مياهها المعدنية ، وأن هذا الوادي ألانكساري أكبر صدع في الوطن العربي ، وأن أغرب شخص مر عليهم هو أنا )    

       بعد ذلك أخذوا لي بعض الصور التذكارية على حد قولهم ... وأخذت لهم صوراً بكاميرا وأخرى فوتغرافية لا يليق عرضها هنا.

      هذه قصتي حول دخولي لأول مرة هذا الوادي قبل وصول الطريق المعبد له ....   بعدها كررت الزيارة له أكثر من 6 مرات بعد أن استبدلت سيارتي .

سيارة أول رحلة سيارة الرحلات الأخرى

---------------------   ---------------------  ---------------------

      والآن سأتحدث عن هذا الوادي من الناحية الجغرافية

وادي لجب

     الموقع :        N17.35.350      E42.55.400

          يقع وادي لجب في جنوب غرب المملكة في منطقة قبائل الريث ...  ويتبع إدارياً لمنطقة جازان ، علماً أنه كان قبل 10 سنوات تابعاً لمنطقة عسير حتى تم التغيير الإداري الذي شمل مجموعة من القرى والمدن هناك.

      وحقيقة الوادي أنه عبارة عن صدع وانكسار في الجزء الشرقي من جبل القهر "زهوان" يرجع تاريخه إلى حدوث الانكسار الإفريقي العظيم ... حيث ظهرت جبال ناهضة ذات صخور شديدة الصلابة تختلف عما جاورها في التركيب الصخري واللون .. وهذا الاستنتاج توصلت إليه من خلال زياراتي وبحثي في تكوين جبل القهر والقهرة .... ومن خلال الصور الجوية يتضح لنا هذا الانكسار العظيم في جبل القهر والذي لا يعلم بداية وسبب تكونه إلا الله.

     وللعلم ... يوجد عشرات الأودية مثل وادي لجب لكنها أصغر منه حول جبل القهر.

لاحظ جبل القهر والقهرة جبال ناهضة ذات صخور متحولة شديدة الصلابة

صورة توضح بداية صدع لجب حتى مصبه في وادي بيش

         الطريق إلى وادي لجب :

       طريقين تؤدي إليه الأول تسلك مخرج المحلة بين بش وصبيا وتتجه نحو مدينة الحقو ثم قبلها بـ 4كم يواصل بك الطريق نحو الريث محافظة رخية وتستمر مع الطريق باتجاه الفرشة وسيمر بك الطريق المعبد قرب مدخل الوادي ... والإحداثيات التالية أخذت أمام مدخل الوادي   N17.35.350      E42.55.400     وللعلم قد تكون الاحدثيات غير دقيقة 100% بسبب ارتفاع نسبة الخطأ الناتجة عن ضعف الاستقبال بين الجبال. ولكن بمجرد الوصول إليها سترى مدخل الوادي.

     الطريق الثاني للقادم من ظهران الجنوب والفرشة .. يسلك طريق من الفرشة إلى الريث وعندها سيمر عليه الوادي عن يمينه عند الإحداثيات أعلاه ... والطريق معبده والكثير من أهل المنطقة يسارعون في المساعدة عند السؤال.

          وصف الوادي :

        الوادي كما ذكرت عبارة عن أخدود أو صدع انكساري في الطرف الشرقي من جبل القهر يبلغ طوله 11كم تقريباً من الشمال إلى الجنوب وقد سرته على الأقدام مرة واحدة وكان برفقتي الصديق خالد الحقباني .. يتقابل بعد 3كم تقريباً من دخوله بصدع آخر طوله يزيد عن 2كم ... وترتفع حوافا الانكسار بشدة ... ويبدأ الطريق ضيقاً ويستمر ضيقاً قرابة 1كم ثم يبدأ يتسع تدريجياً إلا أنه لا يزيد في أقصى اتساع له عن 30م ...

بداية مدخل الوادي الصورة غنية عن الوصف

تُظهر هذه الصور شدت ارتفاع حافتيه .. وهي مكان رائع لهواة التسلق

          وتجري فيه المياه من جهة الجنوب من مدخله وتتجه شمالاً وتسير فيه مسافة 11كم حتى تصب في وادي بيش العملاق. وهنا ينبغي الحذر الحذر من دخوله أثناء هطول الأمطار حتى لو كانت الأمطار على مناطق مجاورة في الجبال لماذا ؟  للجواب على هذا السؤال انظر لهذه الصورة الجوية وبعدها سأشرح الجواب مفصلاً.

لاحظ الأودية الثلاثة التي تتقابل عند مدخل الوادي فتشكل ضغط هائلاً في الداخل

        عرفنا ورأينا هذا الأخدود الضيق ذو الحواف المرتفعة .. عند مدخلة يتقابل ثلاثة روافد رئيسة من ألأودية ومجموعة من الشعاب لتجتمع وتدخل هذا الوادي الذي يبدأ منسوبه الانحدار نحو الداخل بشدة ...  وبالتالي تندفع تيارات الماء بقوة جبارة نحو الداخل وبدون مبالغة كل من سيكون داخل الأخدود سيهلك إلا ما شاء الله ولا يوجد مكان للنجاة إلا عند زاوية صغيرة وهي على يسار الداخل بعد الدخول بأكثر من 2كم تقريباً وهي المكان الذي يقبع فيه الآن استراحة مقهى ومندي الوادي.

        المناخ والحذر الحذرعند سقوط الأمطار وجريان الوادي :

        المناخ بشكل عام : معتدل يميل إلى الحرارة والرطوبة ممطر صيفاً وتتعرض المنطقة لهبوب الغبرة الموسمية قبل سقوط الأمطار قد تمتد إلى أكثر من 40 يوماً وفي الشتاء المناخ دافئ يميل إلى البرودة والجو صحو بشكل عام ... وبالنسبة للأمطار فمن المعلوم بأن جنوب غرب المملكة يتعرض في الصيف لهبوب الرياح الموسمية الجنوبية الغربية التي تصاحبها الأمطار بإذن الله، لذلك تسقط أمطار تضاريسية على هذه المنطقة.

         ومن خلال زيارتي لهذا الوادي والتي زادت عن 6 مرات تعمدت في إحداها أن أمكث في الوادي وقت سقوط الأمطار الموسمية وقد تتبعت ذلك من خلال حركة السحب وبالفعل خلال يومين في الوادي كنت أنتظر قدوم السيل وأنا بالداخل في المكان الآمن ... وذلك لكي أرى ما يجري بالداخل ... قد لا أستطيع وصفه كما ينبغي ولكن يكفي أن أقول : [ هطلت أمطار غزيرة وكان أول ما نشاهده : ونحن داخل هذا الأخدود مشهد مرعب قدوم السيل نحوك بسرعة جارفة ومخيفة يصاحبها صوت غليظ للماء والصخور والهواء الذي يتدفق على شكل تيارات سريعة ويصحب هذه الأصوات اهتزازات يمكن أن تشعر بها - المشهد الثاني ، الماء في الأماكن الضيقة يرتفع لمنسوب يتجاوز 3 أمتار بسرعة جريان هائلة محدثاً صوتا قوياً لا يوصف ... وأفضل مكان يمكنك أن تشاهد هذا المنظر منه عند جريان السيل هو من الأعلى نحو بداية المدخل - المشهد الثالث : وهو الأروع نزول الشلالات الكثيرة من الأعلى وأكبرها وأضخمها الشلال الذي يقابل المكان الآمن في استراحة المندي ...  وتكمن خطورة  هذا الشلال في أمرين الأول إذا زادت كميات الماء الساقطة منه يضرب في الأرض ويرتد بقوة نحو مكان الاستراحة يمكن لك الاختباء في المصلى أو خلف الأشجار لكن السيارة قد تتضرر بفعل الحصى المتطاير. والخطر الثاني وهذا قليل حدوثه وقد ذكره لي الإريتري إبراهيم العامل هناك بالمندي ... تهطل الأمطار في أجزاء شرقية عن الوادي بغزارة وفجائية ودون مقدمات يفاجئ الشلال من أسفل منه في الوادي وأحياناً يسقط معه صخور يجرفها.  المشهد الرابع : سماع هزيم الرعد الذي يدوي الجبال ويهز المكان رهبة وخشية من الله سبحانه وتعالى ... ]

صورة توضح ضيق الوادي وخطورته عند جريان المياه

 

صورة للباحث عند أحد الشلالات داخل الوادي

         من محاسن الصدف في رحلة صحبني فيها أحد الأقارب عام 2003م  قابلت ذلك الشاب الذي أوصلته لمنزله في الليل قبل سنة ووصف لي الوادي  وهو الأخ مداوي الريثي والذي نشاهده إلى اليسار في الصورة أسفل يرتدي الثوب .. وفي الوسط اثنان من أقاربه وإلى اليمين ابن عم لي فهد العسكر.

 

تناول القهوة والإفطار في صباح هذا الشلال

           النبات الطبيعي :

          هذا الوادي آية في الجمال تتنوع فيه النباتات من صغيرة إلى عملاقة ومن حولية إلى معمرة بل فيه من العجب والعجاب ... فلأول مرة أرى النخيل تخرج جذوعها من قلب الصخر الأصم ... من أهم النباتات أشجار النخيل والأشجار المتسلقة والعدن والسنط والأشجار المعمرة وذات الأوراق العريضة وغيرها.

      وهناك الكثير من الأشجار تنمو على الحافة وتتدلى في مشهد جميل والبعض منها يرى جذورها خارج الصخور ولرؤية المناظر الخلابة يجب عليك السير عدة كيلومترات بعد نهاية وقوف السيارة لتحصل على الطبيعة البكر التي لم يلوثها السياح. ... أترككم مع الصور التي التقطها لكم أثناء مغامرتي أنا والزميل خالد عندما اخترقنا الوادي إلى مصبه في وادي بيش .

       مغامرة اختراق الوادي والسير إلى نهايته :

       لن أطيل الحديث ولكن سرنا قرابة الساعة 11 ظهراً ولم نعد إلا الساعة 10 مساءً ... الطريق وعرة جداً صعود صخور وهبوط .. وأحياناً نعبر بعض البحيرات الصغيرة مضطرين سباحة ... يهلكنا التعب ويعزز معنوياتنا بالمتابعة ما نشاهده من جمال في الطبيعة ...

        وصلنا نهاية الوادي قبيل الغروب N17.40.100 / E42.58.150 وكانت عودنا متعبة ومحفوفة بالمخاطر ليلاً ....

    الخطر الأول : "القرود"    في النهار مررنا بمستوطنة قرود  N17.38.190  /  E42.57.210   ومن لا يملك قلباً سيبكي من شدة الخوف .... حيث القرود في الأعلى ترقبك وأنت لا تعلم بصمت وإذا صرت في والوسط أسفل منها بدأت تصرخ وترعبك بأصواتها الوحشية حتى يدب فيك الخوف والوجل أهي ستهاجم أم سترجمني بالحجارة ... والطريقة المثلى أن تواصل طريقك دون الالتفات أو حتى الوقوف للمشاهدة ودون هروب أو تباطأ لتشعرها أنك مجرد عابر ... وهذا ما فعلته أنا وصديقي خالد ... ولا أخفيكم أن الخوف دب في قلوبنا ولكن الحمد لله كان الله معنا ... وكنا نحمل سلاحا خفيفاً.  لماذا تشكل القرود خطراً هنا ؟  الجواب القرود تعيش في عزلة والمكان نائي ودخول الإنسان لهذه المناطق نادر وأي دخيل يعتبر عدواً لا سيما الإنسان.  ملاحظة: قد لا تكون الإحداثيات دقيقة بسبب صعوبة استقبال الأقمار الصناعية

في الصورة الجوية موقع مستوطنة القرود التي ممرنا بها أثناء المغامرة

   الخطر الثاني : "الثعابين"  مررنا على الكثير من الثعابين الصغيرة والمتوسطة الحجم ... والعجيب أننا لا نشعر بها إلا وهي تهرب من تحت أقدمانا والبعض منها يتخفى بشكل ذكي ... وقد شاهدنا خلال سيرنا نهاراً أكثر من 6 ثعابين كان أكبرها طوله تقريباُ متر ونصف ... أما مالا نراه فحدث ولا حرج نسمع أصوات حركاتها أسفل أقدامنا وخاصة إذا اقتربنا من الأحراش .. وفي الليل أثناء العودة سمعنا الكثير بل أحيانا تحس بسيرها وهروبها من بين رجليك... والحافظ هو الله.

      في أثناء العودة عانينا كثيراً من الظلام فمن الأخطاء نسينا المصابيح في السيارة. كان الهدف من مغامرة الاختراق للوادي تصوير فيلم وثائقي شخصي عن هذا الوادي وقد نجحنا ولله الحمد في ذلك.

      أعزائي الكرام أطلت عليكم الحديث ... سأترككم مع الصور التالية والتعليق أسفل كل صورة.

التقطت هذه الصورة بعد سيري في الوادي قرابة 7كم
لاحظ كثافة الغطاء النباتي حول حافة الصدع
صورة محدثكم وقد أهلكه التعب بسبب الصعود والهبوط على الصخور المتساقطة
صورة للصديق خالد وهو يسير على غصن إحدى الأشجار المعمرة
لاحظ غرابة المسالك والأشجار التي تحفك من الأعلى
هنا قبل نهاية الوادي بـ 3 كم في أفضل مكان تخلو منه وعورة السير
نباتات كثيفة الخضرة وأخرى متسلقة تغطي الصخور
اضطررنا للنزول من أعلى هذا الصخور والشلال بصعوبة
الماء في كل مكان بحيرات صغيرة وجداول عذبة تجري
 

الباحث داخل جذع إحدى الأشجار المعمرة
صلابة الصخور وقوة الجذور سبحان الله العظيم
الصديق خالد في يده عصى ليهش بها على أي ثعبان تسول له نفسه الهجوم

ملاحظة الصورة المصاحبة لنا في هذه الرحلة ليست من زيارة واحدة لهذا الوادي

في الختام تقبلوا تحيات أخوكم الباحث الجغرافي حمد العسكر

 

دائماً نقول "عظمة الله تتجلى في خلقه"