جبل القهر زهوان (  إخطبوط الجبال ) رحلة مع الجن بين الواقع والخيال

الجزء الخامس

رحلة الوصول إلى نوعة "قمة الشرف" وعبور أخدود وادي ( قني فين )

أهلا وسهلا بكم

       في هذه الرحلة قررنا استبدال لباس الرياضة والرحلة باللباس السعودي الأخف وزناً والأكثر استخداماً مع الكنادر الجبلية وشنطة الرحلة الخاصة ... وقد تعمدنا ذلك لعلمنا اليقين أن الشماغ والعقال من الوسائل المساعدة على التسلق وبعث روح المعنوية في النفس ... والثوب متعدد الاستخدامات خفيف الوزن ... يمنع تجمع العرق الذي يزعج المتسلق ووسيلة للتنشيف وحمل الأغراض الخفيفة التي نحتاجها قريبة من اليد... ومن خلال هذه الرحلة ثبت لي بالتجربة أن الرحلة بالثوب والشماغ والعقال أفظل بكثير من البنطلون والفنيلة وأكثر نفعاً وفائدة. شرط معرفة بعض القواعد مثل ربطة الثوب ووضعية الشماغ وحمل العقال.  وهذه الرحلة خير برهان.  وقد حملنا معنا أجهزة تصوير وطعام وماء كافيان وسلاح للحماية وبعض الإسعافات الأولية.

هذه الرحلة كلها سير على الأقدام في أوعر منطقة تضاريسية في المملكة النزول من ارتفاع 2100م إلى 1000م في أخدود "قني فين" ثم الصعود مرة أخرى والالتفاف نحو السفح الغربي للشرف غربي القهر حتى بلوغ قمة نوعة 1900م والعودة نحو نقطة البداية عبر طريق آخر.. تصادف في هذه الرحلة الجن الجن.

الهدف من هذه الرحلة مشاهدة الجبل المائدة جبل القهرة من جهة الشرق والذي يتعذر رؤيته من مكان آخر بوضوح كما يشاهد من قمة الشرف

        ستناول في هذه الرحلة مشاهد لأكثر الأخاديد عمقاً بالمملكة بعد أخدود لجب الذي يقع شرق جبل القهر والذي أفردت له موضوعاً خاص تحت عنوان ( وادي لجب الصدع ألانكساري في أقدام جبال القهر ) كما سنشاهد أقدم طرق الراجلة التي صنعها الإنسان ليسير عليها في هذه المناطق الوعرة مستعيناً بالحجارة والأخشاب في بنائها... وسنشاهد كذلك بعض الحيوانات الأليفة التي تعيش في سفوح الجبل ... وبعض النباتي الطبيعي الجميل ... وبعض تجمعات الماء الطبيعية "البرك" في حواف وسفوح الجبل. كما سنشاهد ساكني الكهوف وحب صحبة الجماجم البشرية.. وسنشاهد أوعر طريق بدائي عبر السفح نصعده بواسطة الخشب والحبال.. وغير ذلك.

      موقع الرحلة :

      هذه الرحلة في الجزء الغربي من جبل القهر شمال رحلة الوبقة ... ومن خلال الصور الفضائية التالية يتضح مسار الرحلة.

صورة جوية توضح قمة نوعة "الشرف" وجبل القهرة المائدي
اللون الأحمر مسار الذهاب والأزرق مسار العودة وهناك قمة نوعه شرقية وغربية
من قمة الشرف يمكن مشاهدة جبل المائدة  القهرة بوضوح تام
 

صورة مقربة لمكان الرحلة من اليمين هبوط الأخدود والسير حتى القمة أقصى اليسار ويظهر في وسط الصورة قمة نوعه الشرقية التي سنلتف حولها عند الرجوع ويحدها أخدوديي قني فين من الغرب ورافده نحو الشرق كما سيمر معنا في الصور

صورة لمخطط الرحلة المثيرة لاحظ عمق الأخدود العظيم "قني فبن"
قبل بداية الرحلة بليلة مررنا بهذا المطعم البدائي ذو الطعم والنكهة الإريترية
هذه بداية الطريق التي هبطنا من خلالها وتلاحظ شدت الوعورة
جمعنا قبل أيام لياقة كافية والحمد لله أفادتنا كثيراً في هذه الرحلة
نستعين أحيانا بالأخشاب عند الحاجة وتقدير العين للمسافات
نجد بين الحين والأخرى طرقاً قديمة مرصوفة بالحجارة و الأشجار
نبات الصبار الجبلي وتبدو خلفه قمة الشرف نوعه الشرقية وخلفها نوعه الغربية وهي بعيدة ليست على حقيقة المنظر
أحيانا تعيق طريقنا النباتات والأشواك ونمر على جداول مائية بين الصخور
عندما نتعب نستريح في ظل الحواف - صورة باستخدام المؤقت من الكانون 12M
صورة تعطي مثالاً للسير في حواف السفح نزولاً نحو أخدود قني فين
في هذه الصورة نلاحظ شدة الانحدار وقد ازدادت نحو الشكل العمودي
يزداد الانحدار وتزيد المخاطرة ويبدأ دور العقل والتفكير والحذر بعد التوكل على الله، في هذه الصورة نستخدم ضغط الأقدام والأيدي في الشقوق
مررنا بهذا الشرخ في الجبل والذي يقسمه لجزئيين في الجهة المقابلة وفي الجهة التي نقف عليها
الأرقام 1 أخدود يرفد قني فين - 2 وادي قني فين - 3 قمة الشرف "نوعه" الغربية
حاولنا البحث عن طريق فلم نجد .. فما زال أخدود قني فين سحيقاً نحو الأسفل
تواجهنا دائماً مشكلة الصخور القبابية ذات النهاية الحادة مما يجعلنا نعود للخلف

       بعد أن وصلنا إلى هذا المكان توقفنا أمام هاوية وخلفنا الرجوع متعب .. ولحسن الحظ سقطت من يد خالد إحدى الكاميرات الرقمية نحو شرخ في الجبل إلى يسارنا وعندما اقتربنا منه عثرنا على شجرة يزيد طولها عن 8 أمتار قد خرجت من هذا الشرخ فاستخدمناها للنزول لجلب الكاميرا ووجدنا بعدها طريقا وان كان وعراً إلا أنه حل المشكلة.   نواصل مع الصور.

وصلنا إلى طريق مسدود جلسنا نفكر حتى توصلنا إلى حل أغنانا عن العودة والبحث
بدأ خالد بالنزول عبر جذع الشجرة الذي يزيد طوله عن 8م
ثم تبعته أنا بعد أن أنزلنا حقائب الرحلة بواسطة ربط الشماغين بها
في الأسف عانينا قليلاً من هذه الأشواك
ثم نزلنا عبر جذوع وعروق الأشجار المعمرة التي توغلت أسفل للبحث عن الماء
اضطررنا مواصلة النزول عبر هذا الشق 12م مستخدمين ضغط أجسامنا على الحافتين
للحذاء والخبرة وقوة القلب دور قوي في تحدي الصعاب بعد التوكل على الله
ما زلنا نهبط نحو الأخدود مستخدمين شتى الطرق
أخيراً هانحن في قاع الأخدود وادي قني فين والذي لا يزيد عرض مجراه عن مترين
فيه بعض المياه والكثير من النباتات الطبيعية والروائح الزكية
وها هي الجهة المقابلة  يتوجب علينا صعودها وتبدو أقل وعورة من الجهة الشرقية
خالد يمسك بقربة ماء قديمة عند رجل من أهل المنطقة اسمه موسى كان جالساً مع قريب له اسمه مزعوي في هذا الكهف المطل على الحافة الغربية وقد رفضا تصويرهما وسمحا بتصوير المكان
بعد ذلك سرنا غرب الحافة نحو قمة الشرف فمررنا على هذا الثور في حافة السفح
وقد كان بصحبته زوجته السيدة بقرة حيث يتوفر لهما الكلأ والماء والهدوء
باتجاه القمة مررنا بالعديد من برك الماء العذبة توضأنا من هذه لأداء صلاتي الظهر والعصر، إلى الأعلى واليسار تستمر الحافة الإنكسارية بينما يشقها هذا الممر الجبلي.
مررنا بطرق مرصوفة من جديد غاية في القدم
حافة الجبل عن يمننا والسفح عن يسارنا ونحن نسير نحو القمة-انظر خطوط السير السابقة وإلى الأسفل نشاهد الروافد التي تتكون من سفوح هذا الجبل الأخطبوطي
حيرتني هذه الطرق القديمة المصنوعة في هذا السفح والتي سهلت علينا السير كثيراً
عاد الغطاء النباتي من جديد بلونه الأخضر عندما ارتفعنا نحو القمة
يضيق الطريق ويصبح الغطاء النبات من العوائق الخطيرة في حافة السفح
تعود الأخاديد لتقطع الطريق لكن وجدنا الإنسان قد صنع جسورا خشبية سهلت المهمة
 في الخلف الحافة الشرقية التي قدمنا منها.. هنا نجد نباتات العرعر أخشاباً ميتة
أخيرا وصلنا إلى القمة "نوعه" قمة الشرف الغربية كما يطلقون عليها
وجدنا في القمة أشجار شوكيه أوبرية وأخرى أحراش وجنبات متعددة
صور لمحدثكم مع صديقه خالد في أعلى القمة.. ونشاهد في الخلف مزيداً من الأخاديد
في أعلى القمة وجدنا برك مائية عذبة سبحان من كونها
وهذه بركة أخرى على حافة السفح - الصورة مقربة
وها هو نحو الغرب مشهد جبل المائدة جبل القهرة الجبل العظيم في أقرب وأوضح صورة له من جهة الشرق ..
ونحو الجنوب نشاهد عفريت الجبال الجبل الأسود يطل من بين السحاب (سقف جازان)
رغبة تخفيف الحمل تركنا هذه -البيالات- فوق هذه القمة وستبقى ما شاء الله أن تبقى
بدأنا نسلك طريق العودة الذي رسمناه في البداية بالأزرق ... ومن بداية وادي قني فين نشاهد الطريق التي سلكنها للوصول إلى هنا باللون الأحمر والله المستعان

في الصورتين طريق الرجوع ..ونشاهد في أعلى بداية تقسيم مياه وادي قني فين هذه الطريق المرصوفة التي سلكناها ..حتى عبرنا للأعلى ولتفننا حول قمة نوعه الشرقية في الصورة الأعلى لنعبر رافد قني فين الشرقي.  ارجع لصورة الأرقام لكي تتخيل المشهد

منظر نحو الجنوب من أعلى الأخدود لوادي قني فين الأخدود السحيق
مررنا في حافة نوعه الشرقية بهذه الآثار لصناعة ما يسمى القطران السائل  والذي يستخرج من جذوع الأشجار
كذلك مررنا بهذه الزريبة التي كانت تستخدم لحبس صغار الماعز وتلك الصخور التي تستخدم كمخبأ للأغراض .. أو ما أشبه .. والعجيب كيف يأتون إلى هذا المكان الشاهق الذي هوحافة في جانب سفح
وعند غروب الشمس ... نصل إلى أخطر مكان يمر علينا وهو الصعود نحو الطرف الشرقي عبر رافد أخدود قني فين ... حيث صار الطريق حافة جرداء لا يوجد بها سوى شرخ صخري ومجموعة من أخشاب العرعر التي أسندت إليه... وحبل يتدلى من الأعلى بمقدار متر ونصف فقط  .. وكان علينا صعوده قبل تعمق الظلام حيث يتعذر رجوعنا للخلف .. وبالفعل تخلصنا من نصف متاعنا واستخدمنا أشمغتنا كحبل مساعد وصعدت أولاً ثم سحبت المؤن المتبقية وهي شنطة واحدة إلى منتصف الشرخ حيث التريحة هناك ثم صعد خالد بعدي وقد استخدمنا في صعودنا كل طاقة ممكنة ... جسارة القلب وضغط الجسم على الحواف ومنع تعرق اليدين ... وتوزيع الحمل ما بين أخشاب العرعر والوقوف على الأقدام وسحب الأيدي للأعلى.

في مكان التريحية أقف الآن وهذه صورة نحو الأسفل وقد صعد خالد نصف المسافة بيني وبينه وبقي فوقنا مثل ما قطعنا ... وقد تعذر التصوير بعد هذه الصورة لوعورة المكان وصعوبة حمل الكاميرا فالأيدي كلها مشغولة بما هو أهم وأولى .. وعمق السفح نحو الأسفل قد يصل إلى 400م انكسار فقط وعن القاع أكثر من ذلك.

        وبفضل من الله نجونا وسرنا بعد صعود هذا المنحدر الشاهق .. في الطرف الشرقي تاركين قمة الشرف ونوعه وحافة الشرف وأخدود قني فين ورافده خلفنا ... وبعد قليل توجب علينا السير نحو الجنوب في حواف ومدرجات سهلة ... وبينما نحن كذلك إذا رأينا ناراً توقد في سفح الحافة عن يسارنا .. توجهنا لها ولما اقتربنا أشعلنا مصباحاً كان معنا ... فرأينا الرد بمصباح آخر ... فقررنا التوجه نحوهم ... يا أهل البيت ؟  هلا والله تفضلوا.  

       المرحلة الأخيرة من الرحلة والجن بين الواقع والخيال

       توجهنا نحو النار وإذا النار قد أوقدت في فوهة كهف ... وإذا بحوالي ثمانية شباب كأنهم الجن يرحبون بنا ... قدمنا عليهم ضيوفاً وكان الوقت بعد العشاء .. وقد هالهم الاستغراب منا ومن حالنا وحملت وجوههم العديد من الأسئلة حتى اعتقدوا بأنا جن ولسنا بإنس .. جلسنا إليهم في الكهف وقدموا لنا الماء والشاي وكان عشائهم قد حان وقته فأصروا أن نتعشى معهم ... وبالفعل تعشينا وسمرنا معهم قرابة ساعتين ... دار خلالها حديث وحدث.

     أما الحديث / فسألتهم ما خطبكم وهذا الكهف والمكان النائي ... فقالوا هنا نرتاح وينشرح الصدر ونسمر كل ليلة الجو بارد والمكان هادئ ... ونخرج في النهار لصيد الوبران والطيور المتنوعة ونتمشى في هذه المطلات ... ونحن لما رأينا نوركما اعتقدناكما من الجن ... لأننا دائماً نرى أشبح الجن على شكل نور ...  فسألوا عنا وأخبرتهم بأننا هواة استكشاف ورحلات ... الأمر الذي استغربوا منه جميعاً .. عندما علموا أننا كنا قادمين من قمة الشرف نوعه ... فكلهم رغم أنهم من سكان المنطقة قالوا لم نذهب إليها من قبل لوعورة المكان وصعوبته.   وفي أثناء الحديث وصدفة ساق أحد نبذة عن الرحالة حمد العسكر الذي زار جبل القهر عام 1422هـ و 23 و 24 و25 و26 و1427هـ دون أن يعلم أنه يستمع لحديثه وأمامه ... فقلت له كيف عرفت بحمد العسكر وقد صدقنا القول عندما قال: قابله قريب لنا يدعى قاسم حسن وصحبه في الجبل خلال إحدى جولاته.

     سألني أتعرف حمد العسكر فقلت له من محاسن الصدف أنه يستمع إليك فسبحان الله العظيم.

     أما الحدث / ففي أثناء جلوسنا معهم في الكهف رأينا بناء غريباً في طرف الكهف الخارجي فسألنهم ما هذا قال تعال وانظر وأحضرنا الكشاف وإذا بها جماجم وعظام وهياكل بشرية .. كثيرة .. وما كان مني إلا أن قلت ( السلام عليكم دار قوم مؤمنين أنتم ..... إلخ ) بسم الله الرحمن الرحيم كيف تعيشون قرب الأموات وتسمرون مع الجماجم والعظام ... فرد أحدهم هذه مقبرة أبائنا وأجدادنا الذين ماتوا في حرب القهر وقبلها ... هذي جمجمة جد الرجال هذا وهذي جمجمة ...... فقلت له يكفي كان الله في عونكم أنتم أصحاب قلوب قاسية وجبارة ... فضحك أحدهم وقال هذه تذكرنا بالصلاة والآخرة... فسبحان العظيم .

    اعتقدوا بأننا جن واعتقدنا بأنهم جن وكان هذا آخر فصول رحلتنا فأسميت هذه الرحلة بـ :

جبل القهر زهوان (  إخطبوط الجبال ) رحلة مع الجن بين الواقع والخيال

وإليكم الصور التالية جن مع الجن على سبيل المجاز

 أهل الكهف الثمانية ونشاهد الكهف يحط بالجميع
من اليمين إلى اليسار خالد- محدثكم- صدام- جميل- جمال- محمد-عيسى خارج الكهف قرب غرفة مبنية من الحجر.
صدام و جميل يمنيين  - جابر وشعبان ريثيين
صور لبعض الجماجم والعظم جوار أهل الكهف
وفي الختام تقبلوا تحيات محدثكم الباحث الجغرافي والرحالة حمد العسكر

إلى هنا انتهى الجزء الخامس والأخير من الرحلة وإلى اللقاء في رحلة قادمة

 

دائماً نقول "عظمة الله تتجلى في خلقة