وادي النيل العظيم

أهلا وسهلاً بكم مع الباحث الجغرافي والرحالة أخوكم حمد العسكر

تابع

المرحلة الرابعة : درب الأربعين - شرق العوينات - شرق الصحراء الكبرى -  الواحات موط .. سهل الزيات .. خارجة

 

        أيام الشتاء تمتاز بطول ليلها ... الأمر الذي دفعنا بأن نسير ليلاً باتجاه الغرب ... قاصدين الصحراء الغربية من مصر والتي هي الجزء الشرقي من الصحراء الكبرى ... وكنا نسير وفق مخطط تم حذفه بسبب البيانات الخاطئة في الخرائط ... حيث سرنا باتجاه الغرب والجنوب الغربي قرابة 300كم دون أن نصادف طرقاً كنا نراها على الخريطة ... وقرى نسير نحوها ولا نجدها ... الأمر الذي دفعنا إلى مراقبة السيارات القادمة ... والتي كانت تمر الساعات دون مقابلتها ... فكأنه لا يسير غيرنا على تلك الطريق ... وبالفعل بعد مرور ساعتين ... قابلتنا قافلة مكونة من 3 سيارات متباعدة  ... فكنا نريد أن نسأل عن وجهة هذه الطريق التي تحاذي بنا حدود السودان نحو الغرب ... حاولنا إيقاف السيارة الأولى لكنه أوجس خيفة فزاد من سرعته وهرب بدلا من أن يقف ... والثاني كذلك ... فاضطررنا أن نوقف الثالث بالقوة ... حيث توسطنا الطريق ونحن نقابله ... وأخذنا نكبس له بالنور العالي وبمصابيح هولجين يدوية حارقة ذات مدى عالي ... ولعله اعتقدنا رجال أمن فتوقف وهو على وجل ... وكانت سيارته من نوع ميكروباص 15 راكباً حديثة الصنع ... محملة بالركاب ... ولما بادرته بالسلام ... ونظر إلينا  أضأت الإنارة الداخلية لدينا ... ليطمئن وفعلاً رد السلام وتنفس الصعداء ... وسألناه الكثير من الأسئلة وتعجب من القرى التي نسأل عنها وأنه لم يسمع بها أبداً... وبالفعل وصف لنا الطريق وكيف يسير وإلى أين وكيف يعود ليلتف نحو الواحات ... شكرناه ومن معه على المساعدة ... وواصلنا سيرنا ... وبعد قليل رأينا شاحنة متوسطة الحجم لنقل الوقود ... فأوقفناها لنستزيد ونتأكد من خطة سيرنا الجديدة ... وكان رجلاً طيباً ... ولحسن الحظ أنه يجوب كثيراً من الطريق مروراً بمحطات الوقود .... وقد أخبرنا بأنه أمامنا على بعد 40كم حرف T في قلب الصحراء ... إلى اليمن طريق مغلق مكسر ... وإلى اليسار الطريق الذي يجب أن نسلكه ... لنصل إلى أول منطقة عمرانية تبعد عن أبو سمبل أكثر من 470كم  وهي قرية ( شرق العوينات ) الزراعية ...

    وبالفعل سرنا المسافة المحددة ووصلنا إلى حرف T ... وكان خلف حرف T مركز حرس حدود ... فدخلنا عليهم وأيقظناهم بصوت المنبه ... لنأخذ بعض المعلومات عن الطريق الذي أغلق نحو اليمين لأنه بدا لنا أنه أقرب إلى وجهتنا من ذلك الذي سيأخذنا جنوباً نحو حدود السودان ثم غرباً  ... حضر حارسا الحدود وأعتقد أننا كدرنا عليهما نومهما ... وحصلنا منهما على كل ما نريد فالطريق إلى اليمين مغلقة تماماً ولا تصلح للسير أبداً ... وبالفعل هي تختصر الكثير ... وقد نزلنا لديهم في تلك الصحراء الجميلة بليلها الهادئ ... ومكثنا لديهم بعض الوقت نتبادل الحديث ... فقد كانا شابين أعمارهم دون الثانية والعشرين من العمر ... يقضون خدمة الجيش الإجبارية في هذا المكان المقطوع عن العالم ...

       بعد ذلك سرنا نحو الجنوب باتجاه مدينة شرق العوينات ... وقبل أن ندخلها بمسافة 20كم توقفنا وانحرفنا نحو الصحراء الهادئة باتجاه الحدود الوهمية للسودان ... لنقضي ونبيت ليلتنا في أبعد ما يمكن عن مناطق المدنية في مصر ...

 

خريطة توضح سيرنا في الصحراء .. ومكان المبيت قرب الحدود السودانية

 

بعد توقفنا حيث ننوي المبيت .. نشاهد 50 لترا من الوقود الإضافي  حملناه معنا ...

 

بعد الفجر قبيل شروق الشمس ... وقد أشبعنا جو الصحراء نوماً نستيقظ لنواصل رحلتنا في الصحراء الكبرى

 

        في الصباح توجهنا نحو شرق العوينات ... وكانت منطقة زراعية تعتمد على المياه الجوفية ... وهي عبارة عن قرية صغيرة ذات استثمار زراعي يقدر عمرها بـ 20 سنة أو أقل .. تقع إلى القرب منها العديد من المزارع الحديثة ... تتميز بهدوئها ... وبرخص أسعار الطعام والخبز بها ...

 

 

صور عامة من شرق العوينات ... نلاحظ عليها الطابع الزراعي

 

اشترينا هذه المجموعة 16 رغيفاً من الخبز البر بحنيه واحد فقط .. أي بـ 70 هللة

 

        واصلنا سيرنا بعد أن تزودنا بالوقود .. نحو الجهة الغربية ... ثم الشمال الغربي لندخل في عمق الصحراء ... ونسير قرابة 410كم حتى نصل إلى أقرب عمران وهي الواحات داخلة وموط وقصر ... وقد سرنا طول تلك المسافة ولم تقابلنا أي سيارة إلا واحدة كانت قادمة من المزارع القريبة من شرق العوينات قبل توغلنا في الطريق نحو قلب الصحراء ... انحنى بنا الطريق حتى أصبحت الحدود الليبية كما هي ظاهرة على جهاز الملاحة تبعد عنا قرابة 280كم فقط ...

       وعن الصحراء .... فإنها قاحلة شديدة الجفاف ... لم نرى طوال الطريق أي آثار للحياة لا نبات ولا حيوانات برية سوى بعض طيور الحجل التي نراها مابين آونة وأخرى حول الطريق ... والعجيب أننا لم نرى شعابا ولا أودية ولا آثاراً تدل على أنه كانت تسقط أمطار على تلك الصحراء .... حتى سألنا عندما وصلنا فأخبرونا سكان الواحات أن المطر نادر جداً وتمر عليهم سبع سنين دون أن يروه ... وإذا جاءهم فهو قليل ... ونادر ما تسقط الأمطار الغزيرة ... والصحراء نظيفة جداً جداً ... إلى  درجة أن الغبار لا يثور ولا تتسخ الملابس من أرضها ... فقد توقفنا للراحة تحت ظل سحب السمحاق المتقطعة ... وكان الجو شديد الروعة والمكان جميل بخلوه وهدوئه ... والشمس هادئة غير محرقة ضعيفة الإشعاع والوهج ...

صورة أثناء سيرنا بعد خروجنا من شرق العوينات بحوالي 70كم

 

 

صورتين أثناء توقفنا للراحة بعد سيرنا قرابة 200كم ... ونلاحظ كيف أن الصحراء جرداء ونظيفة

 

 

صورتين من الطريق نحو الواحات  بعد خروجنا من شرق العوينات بحوالي 300كم

 

          عندما اقتربنا من الواحات ظهرت بعض التضاريس في الصحراء وهي مرتفعات رسوبية متفرقة ... استمرت مسافة 100 كم حتى وصلنا الواحات وبدت لنا هناك هضبة ممتدة من الشرق إلى الغرب تحيط بالواحات من الشمال .... دخلنا بداية واحة موط  .. داخلة ... وتليها نحو الشمال الغربي واحة قصر ..، وهنا تفرع الطريق إلى جهتين ... جهة تواصل سيرها نحو الشمال الغربي باتجاهه واحات الفرافرة ... ومنخفض القطارة ... وأخرى تعود شرقا نحو واحات خارجة ... بعد أن قضينا وقتاً كافياً في واحة موط توجهنا نحو الشرق ... بهدف المرور بواحة خارجة ثم العودة إلى وادي النيل ... شمال موقع بداية لقاءنا به ....

 

خريطة توضح سيرنا في منطقة الواحات .. والعودة إلى وادي النيل

 

 

صور للأرض الزراعية الخصبة في الواحات

 

 

صور متفرقة من واحة موط ...

 

        بعد أن خرجنا من واحة موط توقفنا لأداء صلاة العصر والظهر جمع تأخير ... ثم سرنا حتى منتصف الطريق وتوقنا في قرية صغيرة تدعى قرية سهل الزيات ... والسبب أننا شاهدنا أنبوب ماء ارتوازي وبركة ... فتذكرنا المزارع في بلادنا وحبذنا أخذ حمام سباحة منعش ... وإعداد الشاي .. وكان ذلك قبيل صلاة المغرب ... وفي تلك الأثناء مر بنا مزارع كبير السن ... يدعى الحج  عبد العزيز ... وألح علينا إلا أن ننزل في ضيافته ... فشرحنا له حالنا وما كان من أمرنا وطول رحلتنا وحاجتنا للوقت ... فرفض إلا أن نتناول معه ولو كوباً من الشاي ... وكان ذلك كرم نابع من عادات وتقاليد أولئك المزارعين ... خلافاً للمدن ... لاسيما أنه علم أننا عابري سبيل ... وقد لبينا له رغبته ... وأكرمنا أيما إكرام وسعدنا بلقائه مع أبنائه الثلاثة المعملين علاء وإخوانه ... في ذلك المنزل الريفي المتواضع ... وقد كان بيننا وبينه كما يقول المثل المصري "عيش وملح " .. كنا مستعجلين حين لبينا ضيافته إكراماً له وطيباً لخاطره ... وبالكاد سمح لنا بالانصراف ... وقد أهديناه شيء من التمر الذي حملناه معنا ... حفظهم الله وأجزل لهم العطاء والنعم.

 

صورة لأحد صخور الخفاف حيث توقفنا لأداء الصلاة ... وقد عجبت لوجوده منفرداً في هذه الصحراء

 

البركة الارتوازية حيث حمام السباحة المنعش ... وموقد الشاي بجانب السيارة

 

صورة محدثكم مع الحج عبد العزيز وأبنائه الكرام حفظهم الله وشكر لهم حسن ترحيبهم وضيافتهم لنا

 

لافتة للقرية الريفية عند خروجنا منها كتب عليها اسمها

 

محطة وقود أثناء تزودنا في واحة خارجة التي وصلناه  بعد العشاء لتكون مجرد نقطة عبور لنا

 

أحد المقاهي على الطريق من خارجة إلى أسيوط

 

        سرنا بعد ذلك حتى اقتربنا من منطقة حوض وادي النيل ... وقبل أن نصله بمسافة 20كم توجهنا عند الساعة 9.30م نحو الصحراء التي كانت تؤوينا كل ليلة كالأم الحنون ... لنبيت ليلتنا تلك في جو هادئ وصاف ... لا يكدره مكدر أو يشوبه شائب.

     والعجيب أن حكومة مصر تقوم بحراسة أبراج الاتصالات الجوال والميكروويف .. وذلك بوضع حارسين من المناطق المجاورة ... يحملان رشاشين ويلبسان اللباس البلدي الجلابية والعمامة .. لباس أهل الصعيد ... ونحن عندما اخترنا مكان المبيت كان بالقرب منه على مسافة 800م برج في الصحراء ... لم ننتبه له ... الأمر الذي أشغل حراسه بنا طوال الليل ... فعند الصباح أتى إلينا أحدهم ونحن على وشك الرحيل .. وهو يحمل بندقيته ... وقد بدت عليه علامات الوجل ... فلم يسبق لهم أن رأوا أحدا ينام في العراء مثلنا كما علمنا ذلك منهم لاحقاً .. سألنا عن أمرنا فأخبرناه وتعجب .. قلنا له لماذا لم تحضروا البارحة ليلاً لما رأيتمونا ... فأجاب الخوف منعهم من ذلك ... رحب بنا بعد ذلك وطلب أن يستضيفنا فاعتذرنا ... وانصرفنا ...

       بعد ذلك مررنا ببيت قش جانب الطريق الصحراوي لعائلة فقيرة يعمل عائلهم في حراسة البرج ... - فتذكرت ( العشش قرى نسيها الزمان ) -... قمنا بزيارتهم وشاهدنا حالتهم التي يرثى لها ... حيث الأطفال والنساء داخل بيت القش ... يحصلون بعد الله على بعض رزقهم من خدمة المارة على الطريق بتقديم ماء الشرب والشاي لسائقي الشاحنات ... أعطيناهم شيء من التمر ومما أوجبه الله علينا تجاههم ... وانصرفنا ونحن نستشعر نعمة الله علينا وعلى ذوينا وأحبابنا... فتح الله لهم أبواب الرزق والسعادة ..

 

بيت القش والبرج خلفه ... وتظهر بجانبه كراسي استراحة المارة

 

اضغط لمواصلة الرحلة

المرحلة الخامسة

 

اللهم أغفر لي ولوالدي ولجميع المسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات

دائما نقول عظمة الله تتجلى في خلقه